
http://al-madina.com/node/256368/arbeaa
عبق النافذة.. عبق الحياة المفقود
محمّد عطية محمود (*)
تتلاقى إشكالية القصة القصيرة جدًّا، مع ما يمكن أن نسميه هندسة الشكل القصصي، من خلال المجموعة القصصية «عبق النافذة» للقاص السعودي محمد البشير، التي تعد باكورة إنتاجه القصصي؛ فالقاص قسّم مجموعته إلى عدة أجزاء تتصل ببعضها انطلاقًا من كون كل باب منها جزءًا من أجزاء نافذة، قد تمثّل الإطلالة على فعاليات الحياة وتناقضها، ومحاولة سبر أغوار أحوالها، على نحو من الإيجاز والاختزال الذي قد تفرضه تقنية القصة القصيرة جدًّا أو الواقعة في نفس الحزام السردي الذي يحكم علاقة هذه النصوص بفن السرد، والذي يعنى هنا بالكثير من التقنيات والدلالات التي يفرضها الفضاء الشعري الذي ربما تحبل به هذه اللقطات المختزلة كعنصر من عناصر هذه الكتابة الجديدة التي بدأت في الترسخ والثبات وسط فنون السرد الأخرى. يأتي التعبير بالعنوان كعتبة أولى هامة، تتضافر شكلاً وموضوعًا مع تصميم الغلاف الذي أتى بالنافذة، كأحد المكونات الضمنية للصورة غير محددة المعالم، كدلالة على عدم التحدد، والدخول في مضمار ضيق، تفتحه النافذة على مدى واسع يلتهم جل الحياة بالنسبة للسارد أو المسرود عنه من خلال هذه النصوص.. كما تفرض الدلالة اللغوية إلى هذا الجوار، الاشتباك بين معنى النافذة الحرفي من ناحية كونها المنفذ الطال على فعاليات الحياة ، المنفث عما يكتنف النفس ، الحجرة من ضيق واختناق، وهي طاقة الضوء التي تنير ظلمة الحجرة ، النفس ، الحياة، وكذا الاشتباك مع الرائحة الكامنة في العبق أو الزخم الذي تثيره جملة الإشكاليات الواقعة في نطاق الحجرة ، النفس ، الحياة. إذن فالكتابة في هذه المجموعة القصصية مرتهنة بما ضمنه القاصُّ في افتتاحه لنص البداية أو رفع الستار عن فعاليات قصه القصير المتصل هندسيًّا على مستوى التقسيم أو الشكل، والمندرج تحت هذه الفنية من فنيات السرد القصير. ببلاغة التعامل مع دلالة العبارة، حيث يضمن الكاتب عبارة “من ألّف فقد استهدف” وهو قول بليغ أتى من خلال النص الأول «كتاب» الذي يأتي مع صرير مزلاج نافذته أو القسم الأول بحسب تقسيمه الميكانيكي لعملية القص، والذي ربما أكد به على أهمية هذه المغامرة الإبداعية التي يعززها هذا الوجود المرجعي التراثي. مع ما يمكن أن يلقي به الصراع بين الأجيال من ظلال على مقدرات الحياة التي تلعب فيها دومًا لعبة تبادل الأدوار. ففي نص «مدرسة» يتحرك هذا المعنى من خلال وجود الشخصية التي تدعي الإبداع وتقتحم عالم الرسم، لتصنع عالمها من لا شيء، متماهية مع شخصية نص «كتاب»، الذي عانق تيمة التعامل مع عملية التأليف الأدبي، وسرعة الانتشار والذيوع للشخصية، ليتخطى كل من الشخصيتين في النصين، كل من سبق بالرغم من التأكيد على عدم جدارة كل منها بهذا المنجز، حيث يقول السارد: “جزمت بعدم نفعه إطلاقًا في هذا المجال. حاولت ثنيه فلم أستطع. لمحت وصرحت فلم يزدد إلاّ إصرارًا…” حتى يقول: “انسحب المحترفون من النادي واحدًا تلو الآخر، وأتى آخرون تتلمذوا على يديه، تحول النادي إلى مدرسة تحمل اسمه”. ربما حمل هذا النسق من التعامل مع النموذج توجها من الكاتب في محاولته مواجهة ما يعتور المجتمع، بتسليطه للضوء الكاشف على مجموعة من النماذج والشخوص تلقى ما لا تستحق، وما ليست جديرة به، وهذا مما يمكن أن يؤصل له الكاتب من خلال هذا المتن الذي يشتغل فيما يشتغل على هذه التيمة المجتمعية، والتي يأتي تشريحها من خلال هذه اللقطات المكثفة، المختزلة في كثير من الأحيان، مع ما يمكن أن تأتي به مهارة تلخيص الحالة السردية التي يستلزم رصدها وتحليلها المرور بفترة زمنية ما، بالقفز عليها وتجاوزها وتقديمها من خلال مساحة أضيق من مساحة النص القصير جدًّا. وهو ذات الملمح الذي يمكننا تتبعه في حالة نص «البطل» الذي لا يملك مقومات البطولة، وتحايله للفوز بالسباق الرياضي، كنسق من أنساق الخداع والتواطؤ التي يشتعل بها المجتمع، فهو -البطل- برغم كل ذلك يعلنها صراحة من خلال رصد الكاتب لهذه الحالة المتكاملة مع الحالات السابقة: “بعد دقيقة استعد البطل لإجابة الصحفيين في المؤتمر عن بطولاته، ووعد في نهاية اللقاء بإصدار كتاب يتحدث عن سيرته الذاتية”. هنا يكشف النص عن مدى التواطؤ الذي يمارسه المجتمع مع هذه النماذج المضللة، لتنضاف هذه السمة أو الميزة التحليلية الراصدة التي تسخر من المجتمع في أكثر أموره غرابة وسذاجة، والتي ربما كشف عنها هذا السلوك الذي واجه به المجتمع صاحب هذا الصوت الذي وصفه: “حدة صوته تعلو سقف التلوث الصوتي وضوضاء المدن الصناعية … تدرج في بلوغ ما يريد حتى تسنم الهرم. حينها خطب في الجموع بصوته الملوث، واستمعوا له دون أن يضعوا أصابعهم في آذانهم، وصفقوا في الختام، مغفلة أفواههم” (4) هنا تأتي النهاية لتجسد عملية الاستسلام المجتمعي الذي اعتاد على القبح كثقافة صنعها التخاذل حتى تمكنت من
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ